السيد عباس علي الموسوي
206
شرح نهج البلاغة
من تقدمكم من الأمم والناس الذين طلبوا الرجعة إلى الدنيا كي يصلحوا أعمالهم ويبنوا من جديد فرد عليهم اللّه بكلمة « كلا » لا رجعة قال تعالى حكاية عن هؤلاء القوم الأوائل قال : حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ فيجيبهم اللّه : كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . ( وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم وقد أوذنتم منها بالارتحال وأمرتم فيها بالزاد ) أنتم في الدنيا مسافرون لا استقرار لكم حالكم حال الغرباء الذين مروا بمكان يجتازونه إلى غيره وحالكم في الدنيا هكذا تمرون عليها بدون استقرار وهي ليست بداركم التي تبنون ولها تعملون وقد أعلمكم اللّه عن طريق رسله وأنبيائه بأنكم سترحلون عنها وتتركونها وقد أمرتم وأنتم فيها أن تتزودوا لغيرها ، للدار الآخرة وفي الدنيا يعمل الإنسان ليكسب الآخرة . . . ( واعلموا أنه ليس لهذا الجلد الرقيق صبر على النار فارحموا نفوسكم فإنكم قد جربتموها في مصائب الدنيا ) هذا الجلد الرقيق لا يقوى على جمرة صغيرة أو عود ثقاب فكيف يصبر ويتحمل ألم النار وعذابها وهي نار سجرها جبارها لغضبه . . . فارحموا نفوسكم بترك المعاصي وهجر السيئات وأدوا الفرائض والواجبات فقد جربتم مصائب الدنيا فلم تصمدوا لها بل انهارت قواكم وجزعتم لها ولم تقدروا على تحملها . . . ( أفرأيتم جزع أحدكم من الشوكة تصيبه والعثرة تدميه والرمضاء تحرقه فكيف إذا كان بين طابقين من نار ضجيع حجر وقرين شيطان ) وهذه جزئيات صغيرة من مصائب الدنيا يذكرها الإمام ويذكّر الإنسان بها وأنها لا يقوى عليها ولا يستطيع التغلب على ألمها . . . إنه يجزع ويضج من الشوكة على صغرها وحقارتها تصيبه فإنه يسهر ليله ويشكو ألمه لمن رآه وقد يخرج صائحا مستنجدا بالأطباء وتعثر قدمه فيجرح ويخرج دمه فيضج ويتألم وإذا وقف في حر الشمس يصيح أنه قد احترق فإذا كانت هذه حالات الدنيا بمصائبها الصغيرة الحقيرة فكيف إذا وضع بين طابقين من نار طبق فوقه وآخر تحته وهو بينهما يشوى ويتقلب في النار صاحبه حجر وقرينه شيطان أغواه وأضله فعذاب بدني وآخر نفسي قال تعالى : فَاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ . . . وقال تعالى : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ . . . . ( أعلمتم أن مالكا إذا غضب على النار حطم بعضها بعضا لغضبه وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعا من زجرته ) وهذا تعظيم للنار وتخويف منها حتى يبقى المؤمن في خط اللّه واعلم أن مالكا خازن النار والموكل بها إذا غضب على النار ولم تجد من تأكله أو تحطمه تحطم بعضها بعضا وتأكل بعضها بعضا وإذا زجرها وردها توثبت بين أبوابها